نوفيلا أقدار شيدت بالماضي

الكاتبة زينب سعيد القاضي

-أيوه وطلبت عربية أجرة بره في انتظارنا.

 

هتفت بفرحة:

-على خير يا رب العالمين يلا بينا.

 

تحرك ثلاثتهم مغادرين المستشفى متوجهين إلى وجهتهم الأخرى كي يرو طفلهم الحبيب.

 

في الخارج، كانت الشمس تنتظره كأنها تحتفل به، والهواء العليل يلامس وجهه فيذكّره بأن الحياة ما زالت جميلة، وأن لقاءه بطفله سيكون أجمل لحظةٍ في عمره كله.

 

استقلوا سيارة أجرة كي تقلهم إلى العنوان، والذي كان بمثابة صدمة إلى حسان.

٭٭٭٭٭

في شقة حنين كانت تجلس على الأريكة وصغير في أحضانها تضمه تارة وتقبله تارة أخرى ودموعها لا تتوقف عن الهبوط، وإلى جوارها سامية تحاول تهدئتها دون فائدة، والأدهى أن الصغير يبكي هو الآخر على بكائها كأنه علم أن موعد الفراق قد حان، فيشاطرها حزنها.

 

تحدثت سامية بحنان:

-صلي على النبي كده يا حبيبتي واهدي الراجل على وصول يجي يشوفك بالوضع ده؟

 

أجابتها بانكسار:

-يمكن لما يشوفني كده قلبه يحن ويسيبه ليا.

 

تنهدت الأخرى بأسف وقالت:

-بلاش تعشمي نفسك بحاجة مش هتحصل يا حبيبتي محدش بيسيب عياله لحد ودول مش أي حد دول صعايدة يا بنتي يعني أهم حاجة عندهم الضنا.

 

سكتت حنين للحظة، ومسحت دموعها بطرف كُمّها المرتجف، لكنّها ما لبثت أن عادت لتحتضن صغيرها بقوة كأنها تخشى أن يُنتزع منها في أية لحظة. كانت نظراتها معلّقة بوجهه الصغير، تتأمل تفاصيله بشغفٍ مكسور — أنفه الصغير الذي يشبه والده، وابتسامته التي ورثها عنه رغم غيابه. همست بصوتٍ مبحوح:

– طب هو مش ابني برضه؟ مش أنا اللي رضعته يعني أنا أمه في الرضاعة مش من حقي أشوفه يكبر قدامي؟

 

وضعت سامية يدها على كتفها في حنان وقالت بهدوءٍ فيه بعض المرارة:

– الدنيا مش دايمًا بتدي الحق زي ما إحنا عايزين. يمكن الأيام تعوضك بزوج صالح وطفل من لحمك ودمك يا حبيبتي صلي على النبي كده وسبيها تمشي زي ما تمشي تدابير ربنا بتكون الخير لينا المطلوب منك دلوقتي إنك لازم تبقي قوية.

 

انفجرت حنين في بكاءٍ مكتوم وهي تردد:

– مش عارفة أكون قوية وهو هيتاخد مني أنا خلاص تعودت على وجوده في حياتي..

 

لم تجد سامية ما تقول، فاكتفيت بأن احتضنتها والصغير بين ذراعيها، بينما كان صوت بكاء الطفل يمتزج بصوت أنين أمه، حتى صار الحزن في الشقة كأنه كائنٌ ثالث جالسٌ بينهما، يشاركهما الصمت والانتظار حتى تحين اللحظة التي سينتزع منهم فيها…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!