نوفيلا أنين لا يرى
الكاتبة زينب سعيد القاضي
-مصطفى يا حبيبي افتح عيونك أنا هنا أنا جنبك كله هيبقى تمام.
شهر كامل مر عليه وهو في غيبوبة، قلبها يتألم مع كل ساعة، وكل نفس كان يبدو وكأنه يبتلعها، ساعات طويلة قضتها بجواره، تتحدث معه، تهمس باسمه، تروي له الحكايات الصغيرة عن المنزل، عن العائلة، عن كل شيء لم يكن يعلم به وهو غائب.
فجأة، شعرت بشيءٍ مختلف حركة طفيفة في يده، ثم أصابعها بدأت ترتجف عندما شعرت بضغط خفيف منها، قلبها دق بقوة، وارتفع صوتها قليلًا بين الفرح والذهول:
-مصطفى ده إيه ده؟!
بعد لحظات، بدأ عينه تتحركان ببطء، وبضعف تام، يفتحهما قليلاً، كأنهما تحاولان التعود على الضوء بعد غياب طويل ارتجف جسده، لكنه كان علامة على أنه عاد إلى العالم، ولو بضعف.
سقطت كريمة على ركبتيها بجانبه، دموعها تتساقط بحرقة أكبر، ويدها ترتجف وهي تمسح عن وجهه، تهمس بلا توقف:
-يا حبيبي رجعت…. رجعت ليا افتح عينيك افتح.
رائحة المستشفى والآلات المحيطة به لم تمنع قلبها من الفرح طوال هذا الشهر، كان القلق هو المسيطر عليها.
رفع مصطفى رأسه قليلاً، ونظر حوله بعينيه اللتين كانتا خافتين وضعيفتين، يحاول إدراك المكان بعد غيبوبة طويلة.
نظراته تاهت لحظة، ثم استقرت على وجه والدته، وارتسمت فيها لمحة إدراك، خفيفة لكنها حقيقية.
دلف الطبيب إلى الغرفة بهدوء، خطواته متأنية لكن واثقة، وعيناه تتفحصان أجهزة المراقبة المحيطة بمصطفى بعناية كان يرتدي المعطف الأبيض، وعلى وجهه ملامح الجدية المعتادة.
اقترب من سرير مصطفى ، وأمسك يده بلطف، ثم بدأ يفحص العلامات الحيوية على الأجهزة، صوته كان هادئًا، موجهًا لكريمة ومنىاللتين وقفتا بجوارهما، وجهيهما مشحونان بالقلق والفرح في آنٍ واحد:
-الوقتي إحنا محتاجين نتأكد إن كل شيء مستقر قلبه، التنفس، الضغط.
حركة أصابع مصطفى على السرير، وضعفه عند رفع رأسه، جعلت الطبيب يركز أكثر على التفاصيل الدقيقة استخدم السماعة الطبية، استمع لصوت قلبه، ثم لاحظ إيقاعه المتقطع قليلاً، لكن ثابت بما فيه الكفاية ليطمئنهم نسبيًا.
وقف لثوانٍ، ثم كتب بعض الملاحظات على ملفه، وعاد لينظر إلى والدة مصطفى بعينين هادئتين:
-هو بدأ يستجيب لكن لسه ضعيف جدًا محتاج متابعة دقيقة، وممكن تظل الغيبوبة باقي أثرها قليل على وعيه وإدراكه كل دقيقة هتفرق.