نوفيلا أنين لا يرى

الكاتبة زينب سعيد القاضي

 

انسابت دموعها فوق وجنتيها في صمت، دون شهقاتٍ عالية أو صراخ، فقط انهمارٍ هادئ يشبه استسلامًا مؤلمًا كانت تحدق في الفراغ أمامها، لكن عقلها لم يكن هنا بل هناك، في ذلك الشارع المظلم، عند تلك اللحظة التي تغير فيها كل شيء.

 

همست بصوتٍ مكسور، كأنها تحاول إقناع نفسها قبل أي أحد آخر:

-أنا معملتش حاجة.

 

أغلقت عينيها للحظة، لكن الصور عادت أقوى وجهه وهو يسقط الدم الذي تسرب بسرعة يدها المرتجفة وهي تحاول أن تنقذه.

 

شهقت فجأة، ووضعت يدها على فمها، كأنها تمنع نفسها من الانهيار بصوتٍ مسموع.

 

-يا رب أنا مظلومة.

خرجت منها برجاءٍ ضعيف.

 

رفعت رأسها قليلًا، ونظرت حولها المكان ضيق، تتقاسم فيه الصمت مع نساءٍ أخريات، لكلٍ منهن حكاية، لكن لم تهتم أن تعرف، كانت تشعر وكأنها غريبة حتى عن نفسها.

 

تساءلت في داخلها، وقلبها انقبض بقوة:

-هو الوقتي عامل إيه؟ فاق ولا لسه؟

 

مجرد الفكرة جعلت دموعها تتجدد لم تكن تعرف اسمه لم تكن تعرف عنه شيئًا لكنها تعرف شيئًا واحدًا فقط أنه خاطر بحياته لأجلها ضمت نفسها أكثر، وأغمضت عينيها بقوة: 

-قوم لو سمحت قوم علشان علشاني أنا كمان.

 

انكسر صوتها، وتوقفت الكلمات عند حلقها ثم تذكرت

كلماته الأخيرة نظراته واللحظة التي سقط فيها.

 

اهتز جسدها، وبدأت تبكي بصمتٍ أشد، وكأن قلبها لم يعد يحتمل تمتمت، وهي تهز رأسها برفضٍ ضعيف:

-أنا السبب أنا السبب في كل ده.

 

لكن داخلها، صوت آخر كان يصرخ أنها ليست الجانية أنها الضحية أن كل ما فعلته هو أنها كانت في المكان الخطأ مع الشخص الخطأ.

 

رفعت وجهها، وعيناها محمرتان من البكاء، ثم همست: 

-مش هسيبه حتى لو الكل سابني أنا مش هسيبه.

 

يُتبع…..

 

                       الفصل الرابع 

 

في غرفة الرعاية المركزة، حيث يختلط صمت الأجهزة بصريرها المنتظم، كان جسد مصطفى  مسجى بلا حراك، تحيط به الأسلاك من كل جانب، وتعلو صدره أنفاس صناعية منتظمة، وكأنها تحاول أن تُبقيه معلقًا بين عالمين لا هو هنا، ولا هو هناك لكن داخله لم يكن السكون كما يبدو كان يركض بكل ما أوتي من قوة، أنفاسه تتلاحق، وقلبه يخفق بعنف، بينما الظلام يحيط به من كل اتجاه لم يكن يرى طريقًا واضحًا، فقط مساحة شاسعة من العتمة، تتخللها ومضات خاطفة من صورٍ غير مكتملة صوت صرخة ظل يتحرك وميض سكينٍ يلمع في الظلام توقف فجأة، يلتفت حوله، يحاول أن يفهم أين هو.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!