نوفيلا أنين لا يرى

الكاتبة زينب سعيد القاضي

 

نظر الضابط إليها للحظات، ملامحه لا تعكس شيئًا واضحًا، ثم قال بهدوء: 

-تمام.

 

تبادل نظرة سريعة مع زميله، ثم عاد إليها: 

-اتفضلي معانا.

 

تجمدت مكانها وقالت:

-أجي معاكم؟

 

عقدت حاجبيها، وارتسمت على وجهها ملامح خوفٍ جديد: -أروح فين؟

 

أجاب الضابط بنبرةٍ باردة، رسمية: 

-على القسم حضرتك الوقتي المتهمة الأولى في الواقعة، لحد ما المصاب يفوق ويقول شهادته.

 

كأن الكلمات صفعتها.

 

-متهمة؟!

 خرجت منها بصوتٍ مرتفع، غير مصدقة:

-أنا؟! أنا اللي بلغت! وأنا اللي حاولت أنقذه!

 

اهتز صوتها، ودموعها عادت تنهمر: 

-إزاي أبقى متهمة؟!

 

لكن الضابط لم يغير نبرته: 

-إجراءات يا فندم ودي حاجة روتينية وجودك في مكان الحادث، وشهادتك لازم تتثبت رسمي من المريض نفسه.

 

تراجعت خطوة، كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها:

-بس أنا مينفعش أمشي هو جوا أنا مستنياه.

 

قال باختصار:

-هتقدري تزوريه بعدين.

 

هزت رأسها بسرعة:

-لا مش هينفع أنا وعدته.

 

صوتها انكسر عند آخر كلمة.

 

اقترب أحد الأمناء خطوة: 

-لو سمحتي يا آنسة اتفضلي.

 

نظرت بينهم، عيناها تتحركان بقلقٍ واضح، كأنها تبحث عن مخرج، عن أي شخص ينقذها هذه المرة لكنها كانت وحدها.

وحدها تمامًا التفتت مرة أخيرة نحو باب غرفة الرعاية 

نظرة طويلة مليئة بالخوف، والندم، والعجز.

 

همست بصوتٍ بالكاد يُسمع: 

-سامحني.

 

ثم تحركت معهم كانت خطواتها كانت ثقيلة، مترددة، لكنها سارت، خرجت من الممر، تحيط بها نظرات فضولٍ من الموجودين، بينما قلبها يُسحب خلفها نحو ذلك الباب المغلق.

نحو الشخص الوحيد الذي قد يثبت براءتها أو يتركها تواجه مصيرًا لم تتخيله يومًا.

❤️❤️❤️

صعد محمود خلف صديقه الدرج المتهالك، وكل درجةٍ كانت تصدر صريرًا مزعجًا كأنها تعترض على مرورهم الجدران متشققة، والإضاءة ضعيفة بالكاد تكشف الطريق، ورائحة الرطوبة تملأ المكان حتى أصبحت خانقة.

 

كان يتنفس بصعوبة، ليس فقط من صعود السلالم، بل من الثقل الذي يجثم على صدره منذ ما حدث كل خطوةٍ يخطوها كانت تُشعره وكأنه يبتعد أكثر عن حياته القديمة ويقترب من شيءٍ لا يعرف نهايته وأخيرًا وصلا إلى السطح.

 

فتح صديقه بابًا حديديًا صدئًا، أحدث صريرًا حادًا قطع سكون الليل، ثم دخلا كان السطح واسعًا، لكنه مهمل، تتناثر فيه أشياء قديمة، وخزانات مياه، وأسلاك مكشوفة وفي أحد الأركان غرفة صغيرة، بالكاد تُسمى غرفة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!