رواية ظلمات لا تنسى
الكاتبة زينب سعيد القاضي
-صباح الورد على عيونك الحلوين.
تبسمت باستحياء:
-صباح النور.
مد يده إليها بباقة الزهور:
-اتفضلي.
آخذته منه على مضض وقالت:
-الدكاترة والعاملين في المستشفى هيقولوا إيه يا دكتور وإنت داخل للحالة بتاعتك بورد؟!
رفع كتفيه بالامبالاة وقال:
-هيقولوا دكتور بيحب يدلع المرضى بتوعه لو الوضع مضايقك وافقي تتجوزيني وأنا هجيب مايك وأنادي من هنا لبكره يونس بيحب وصال يا ناس يونس هيتجوز وصال يا ناس وافقي إنت بس .
تبسمت وصال بخفة رغم إرهاقها، ضحكة واهنة خرجت من بين شفتين شاحبتين، وقالت وهي تهز رأسها باستسلام:
-إنت مجنون رسمي يا يونس.
اقترب منها بخطوات هادئة، وضع الباقة على الطاولة المجاورة للسرير، ثم جلس على الكرسي قريبًا منها وقال بنبرة أقل مزاحًا وأكثر صدقًا:
-مجنون بيكي آه، إنما رسمي؟ دي شهادة أعتز بيها.
نظرت إليه مطولًا، كانت عيناها تحملان خليطًا غريبًا من الامتنان والخوف والارتباك، كأنها تريد أن تقول أشياء كثيرة ولا تجد الكلمات المناسبة. ساد صمت قصير قطعه صوت أجهزة المراقبة، وصوت أنفاسها المنتظمة بصعوبة.
قالت أخيرًا:
-يونس إنت دكتور، وأنا حالة ومش أي حالة أنا كنت مريضة كانسر.
ابتسم ابتسامة دافئة، تلك التي اعتادت أن تطمئن لها دون أن تشعر:
-وأنا قبل ما أكون دكتور، وبني آدم قلبه اختارك، مش الحالة اللي كنت يعالجها.
أدارت وجهها للنافذة، كأنها تحاول الهروب من نظرته:
-بس الناس هتتكلم هترتبط بواحدة كان عندها كانسر إزاي؟! وكمان وارد يرجع ليا.
تنهد، ثم قال بثبات:
-الناس بتتكلم في كل الأحوال. لو عملت الصح، ولو عملت الغلط. الفرق الوحيد إنك لما تعملي الصح، ما تندميش، أما إن الكانسر يرجع ليكِ أو لأ ده شيء في علم الغيب.
عاد الصمت من جديد، لكنه كان صمتًا مريحًا هذه المرة. مدت وصال يدها ببطء نحو الباقة، لامست إحدى الورود، ثم قالت بصوت منخفض:
-أنا تعبانة يا يونس تعبانة أوي مش عارفة أعمل إيه تعبت من التفكير.
هتف بحنان:
-عارف وعشان كده أنا هنا مش همشي وأسيبك حتى لو طلبتي مني ده إنت خلاص خفيتي من الكانسر.
نظرت إليه بعينين دامعتين:
-قدر رجع ليا تاني؟!
ابتلع ريقه، لكنه لم يتراجع:
-حتى لو أنا مش مربوط بيكي وبمرضك أنا مربوط بيكي بقلبي وحبي ليكي سواء إنتِ مريضة أو لأ.