رواية ظلمات لا تنسى
الكاتبة زينب سعيد القاضي
خضعت “وصال” إلي العملية الجراحية والتي قضي بها يونس خمسة ساعات وهو يتعامل بحذر شديد فالورم بالمخ ومستوطن بجزعه وأي حركة خطأ قد يؤدي بحياتها إلي الهلاك، وهذه ليست مريضته فحسب بل من سكنت وتربعت علي عرش قلبه.
بعد مرور ٢٤ ساعة كان قد تخطت مرحلة الخطر وبدأت “وصال” في الإفاقة وأول ما رأته عيناها كان وجه يونس فتبسمت بضعف وهي تهمس باسمه:
-“دكتور يونس ”
“أيوة يا قلب وعقل يونس حمد الله على السلامة يا عروستي”
تبسمت بضعف وقالت:
-أنا لسه عايشة بجد ؟!
تبسم بحب وقال:
-أيوة لسه عايشة بجد لا إلا أنا وإنتِ موتنا ودخلنا الجنة.
تبسمت بإعياء وقالت:
-هو إنت إزاي كده؟!
ابتسم يونس على سؤالها، تلك الابتسامة التي تحمل ألف معنى، مزيج من الراحة والخوف والحب الذي كاد يقتله وهو ينتظر خروجها من غرفة العمليات. مدّ يده بحذر، يلمس أطراف أصابعها كأنه يخشى أن تختفي فجأة.
قال بصوت منخفض، مبحوح من السهر:
-إزاي كده؟ عشان ربنا كريم، وعشان إنتِ قوية أكتر ما تتخيلي، وعشان أنا كنت مستعد أدي عمري كله عشان اللحظة دي.
رمقته وصال بنظرة طويلة، عيناها ما زالتا ثقيلتين لكن فيهما بريق دافئ، وقالت بنبرة متقطعة:
-إنت كنت معايا طول الوقت؟
هزّ رأسه مبتسمًا:
-من قبل ما تدخلي العمليات وأنا جنبك، ومن أول ما خرجتي وأنا قاعد هنا مروّحتش، ولا حتى غمّضت عيني.
قطبت حاجبيها بتعب:
-ليه؟ إنت دكتور، عندك شغلك ومرضى تانيين.
تنهد يونس، ثم مال قليلًا ليكون في مستواها:
-وصال المريضة الوحيدة اللي كانت شغلاني هي إنتِ. والباقي؟ كلهم كانوا مجرد واجب.
سكتت لحظة، ثم همست بخوفٍ خافت:
-أنا كنت سامعة أصوات وحاسة إني بعيدة، كأني بسيب الدنيا واحدة واحدة إنت خوفت؟
ضحك ضحكة قصيرة تخفي ألمًا عميقًا:
-خوفت؟ أنا كنت مرعوب دكتور مخ وأعصاب، شفت حالات أصعب من كده، بس أول مرة إيدي كانت بتترعش.
فتحت عينيها بدهشة:
-بجد؟
أومأ:
-أيوة. لما الورم طلع في جذع المخ، أي غلطة كانت هتنهي كل حاجة. مش بس حياتك حياتي أنا كمان.
سكت قليلًا، ثم أكمل بصوت أكثر صدقًا:
-كنت واقف جوه العمليات، وكل اللي في دماغي إن ما ينفعش أخسرك. لا كدكتور، ولا كيونس.
بللت وصال شفتيها، وهمست: