نوفيلا أنين لا يرى
الكاتبة زينب سعيد القاضي
قالت، هذه المرة بنبرةٍ مشوبة بالقلق الواضح:
-إيه المكان ده؟ وإحنا واقفين هنا ليه؟
استدار نحوها ببطء للحظة، لم تتعرف على ملامحه ليس بسبب الظلام فقط، بل لأن نظرته كانت مختلفة باردة، خالية من ذلك القرب الذي اعتادته منه شعرت وكأنها تنظر إلى شخصٍ آخر يرتدي وجهه تراجعت خطوةً دون وعي.
قال بصوت منخفض لكن بنبرة لم تكن مطمئنة:
كنت عايز أتكلم معاكِ في حاجة.
ابتلعت ريقها، وحاولت أن تتمسك بثباتٍ متصنع:
طيب ما نتكلم بس مش لازم المكان ده.
لم يرد بل ظل يحدق فيها، وكأنه يقيس ردود أفعالها، أو ينتظر شيئًا لم تفهمه.
ازدادت ضربات قلبها، حتى شعرت بها في أذنيها.
هتفت برجاء:
خلينا نمشي من هنا.
لم يُبدِ أي دهشة وكأنه لم يسمع الصوت، أو وكأنه كان يتوقعه تجمدت في مكانها.
نظرت حولها مرةً أخرى، محاولةً اختراق العتمة بعينيها، لكن دون جدوى كل شيء ساكن، ومع ذلك كان هناك إحساسٌ واضح بأنها ليست وحدها بدأ الخوف يتسلل إليها بشكلٍ حقيقي الآن لم تعد المشكلة في المكان فقط بل في الصمت، في نظرته، في هذا التوقيت، في كل شيء.
خطت خطوةً للخلف ثم أخرى وقالت بصوتٍ أقرب إلى الهمس:
-أنا مش مرتاحة خلينا نرجع.
لكنها لم تكن متأكدة إن كان سيسمح لها بذلك أم أن هذا الشارع، بكل ما يحمله من ظلام، كان بداية شيءٍ لم تكن مستعدة له على الإطلاق.
بدأ يقترب منها ببطء، خطوةً تلو الأخرى، كأن كل حركة محسوبة بعناية كانت عيناه تلمعان في العتمة ببريقٍ غريب، بريقٍ لم تره فيه من قبل بريق يحمل قسوةً خفية، وشرًا صامتًا، كأن داخله انكشف فجأة دون سابق إنذار بدا في تلك اللحظة أشبه بذئبٍ يتربص بفريسته، لا يستعجل الانقضاض، بل يستمتع برعبها، بارتباكها، بكل تفصيلةٍ من خوفها المتصاعد.
تراجعت هي خطوةً إلى الخلف، ثم أخرى، حتى شعرت ببرودة الجدار خلفها لم تعد تملك مساحةً للهروب التصق ظهرها بالسطح الخشن، وكأن الشارع كله انغلق عليها من كل الجهات.
-إنت بتعمل إيه؟
قالتها بصوتٍ مرتجف.
لم يجب بل استمر في التقدم، وعيناه لا تفارقانها، نظرة ثابتة، ثقيلة، تحمل نوايا لم تعد بحاجة إلى كلمات ابتسم ابتسامةً خفيفة، لكنها لم تكن ابتسامة ود كانت أشبه بانحناءة مفترس قبل الانقضاض.