نوفيلا أنين لا يرى
الكاتبة زينب سعيد القاضي
ارتجفت أطرافها، وحاولت أن تدفع نفسها جانبًا لتفلت، لكنه سبقها بخطوة، مانعًا طريقها أصبح قريبًا جدًا الآن، لدرجة أنها استطاعت أن تسمع أنفاسه، بطيئة، منتظمة، كأنه مسيطر تمامًا على كل شيء.
-إبعد.
همست، وهي تحاول أن تبدو أقوى مما تشعر به لكن كلمة واحدة لم تكن كافية لإيقاف ما بدأ يتشكل في هذا الظلام.
مد يده ببطء، كأنه يختبر رد فعلها، فتراجعت رأسها للخلف، واصطدم شعرها بالجدار قلبها كان يخبط بجنون، وصوت دقاته يملأ أذنيها حتى كاد يطغى على كل شيء آخر.
-كنتِ دايمًا واثقة فيا مش كده؟
قال أخيرًا، بصوتٍ منخفض، يحمل نبرةً لم تعهدها منه.
لم تعرف ماذا تقول الكلمات اختنقت في حلقها، وتحولت إلى أنفاسٍ متقطعة.
في تلك اللحظة، أدركت الحقيقة القاسية أن الشخص الذي أمامها لم يعد ذلك الذي عرفته، لم يعد القريب، ولا الخطيب بل شيء آخر، شيء غريب، مخيف، انسلخ من كل ما كان مألوفًا.
جمعت ما تبقى من شجاعتها، ودفعت يده بعيدًا بقوة مفاجئة.
وصرخت بأعلى صوت لديها:
-سيبني!
تجمد للحظة، ربما لم يتوقع مقاومتها استغلت تلك اللحظة، وانزلقت من جانبه محاولةً الفرار ركضت بلا اتجاه، لا ترى بوضوح، فقط تتحرك مدفوعةً بغريزة النجاة.
لكن الشارع كان ضيقًا، والظلام كثيفًا، وخطواته خلفها لم تتأخر كانت تسمعها قريبة منها تعثر قدمها بشيءٍ ما، فكادت تسقط، لكنها تماسكت بصعوبة. أنفاسها أصبحت لاهثة، وصدرها يحترق من شدة الركض، لكنها لم تتوقف ولم تستطع لأنها كانت تعرف أن التوقف يعني أن يمسك بها.
وفي هذا الليل الخالي، حيث لا شهود ولا أصوات، لم يكن هناك شيءٌ يحميها سوى سرعتها وخيطٍ رفيع من الأمل بأن تصل إلى الضوء قبل أن يصل إليها.
❤️❤️❤️
انتهى من عمله في وقتٍ متأخر من الليل، بعد يومٍ طويلٍ استنزف ما تبقى لديه من طاقة كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة صباحًا، والمدينة بدت وكأنها أسدلت ستارها الثقيل، فلم يبقَ في شوارعها سوى بقايا ضوءٍ خافتٍ يتسلل من أعمدة الإنارة، وصوت الريح التي تمر بين المباني كأنها تهمس بأسرارٍ لا تُقال.
استقل سيارته ببطء، وأدار المحرك الذي استجاب بتثاقلٍ يشبه حاله جلس للحظة محدقًا في الفراغ أمامه، ثم زفر زفرةً عميقة، كأنه يحاول أن يترك تعب اليوم خلفه قبل أن ينطلق.