رواية أحفاد إلياس
الكاتبة زينب سعيد القاضي
فلاش باك….
يقف داخل مستشفى الأمراض العقلية، متأمّلًا الملاك الحزين خلف الحائط الزجاجي، وهي تبكي بحرقة على ما حلّ بها، فقد انتُزعت براءتها على يد رجلًا لا يمت للرجولة بصلة صمتٌ ثقيل يملأ الغرفة، كأن الهواء نفسه يحمل ثقل الألم. كان ينظر إليها بعينين مليئتين بالأسى، يتمنى لو يستطيع شفاء جروحها، لو لم يفرض العالم عليها تلك المآسي التي لا طاقة لها بها. أما هي، فقد غاصت في بحر من دموعها، لا تجد ملاذًا سوى الحزن الذي يكتنف قلبها، وحيدة وسط صمتٍ لا يُجيب سوى صدى أنينها.
أغمض عينيه بضيق، لا يصدق أن عمه كان من فعل بها هذا. لم يعرف كيف يتصرف أمام تلك البريئة، وكيف يعالج ألمها. لو كان عمه لا يزال على قيد الحياة، لكان أجبره على الزواج بها ولو لشهر واحد على الأقل، ليكفر عن ظلمه. لكن في تلك الليلة نفسها التي اعتدى فيها عليها، انقلبت سيارة عمه أثناء هروبه بعد فعلته الخسيسة. ولحسن حظه، تمكن من رؤيته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، فأخبره بمكان الملاك وما فعله بها. لم يكن منه إلا أن يذهب إلى شقتها التي تركها بها، ليحاول إنقاذها. ومنذ أن أحضرها إلى هنا، وهي بين الحياة والموت، تتأرجح بين الوعي واللاوعي، تاركة قلبه يئن على ما ألم بها.
عاد من ذكرياته المريرة، واستقل زيارته مرة أخرى متوجهًا إلى وجهته التالية يجب أن يخبر عائلته بأمر زيجته، وبداخله على يقين أنه سيكون من الصعب إقناع والدته بهذا الأمر، لكن مهما كان رد فعلها فهو سيتزوجها شأت أم أبت….فهو لن يتخلى عن عصفورة صغيرة مبتورة الأجنحة….
❈-❈-❈
في محافظة الفيوم وتحديدًا في مزرعة كبيرة تحمل إسم ” أل إلياس” كان يجلس “عمر إلياس” الحفيد الثالث برجولته الطاغية في الحديقة الخضراء ينعم بالهواء الصافي وأشعة الشمس المسترسلة عليه ويضع حاسوبه الشخصي فوق قدمه يعمل عليه باندماج تام.
اقتربت منه على استحياء شديد، وهي تحمل فنجان القهوة بين يديها وعلى وجهها ابتسامة عذبة، وفي عينيها يلمع بريق العشق، وضعت الفنجان على الطاولة باحترام وقالت:
-القهوة يا دكتور.
رد ببرود دون أن يرفع رأسه عن حاسوبه:
-شكرًا.
حاولت فتح حديث معه بتردد:
-هو كان في حاجة مش فاهماها في المحاضرة اللي فاتت ينفع حضرتك تشرحها ليا؟!