نوفيلا أقدار شيدت بالماضي
الكاتبة زينب سعيد القاضي
– دي إرادة ربنا، وما حدّش يقدر يعترضها.
رفع الأب عينه ليه، نظرة فاضية من كتر التعب، وقال بنبرة مبحوحة:
-عارف يا حسن، عارف إن كل حاجة بإذن ربنا، بس الوجع… الوجع مالوش دواء. لما القلب يفقد ضناه، بيبقى كأنه بيتشل من جواه، بيعيش بعدها نصف حياة.
حاول راغب أن يتمالك نفسه، لكن صوته اختنق:
– كنت شايفه زي أخويا الصغير، كبر قدامي، وفرحت بيه يوم فرحه كأنه ابني… ما كنتش متخيل أشوفه كده.
تنهد حسن بأسف وقال:
-حقك عليا يا أخويا ابني أنا السبب في كل ده هو اللي المفروض يكون مكان حسان وهو اللي يتحاسب عن اللي عمله.
نهض من مكانه وقبل رأس شقيقه الأكبر بأسى وقال:
-ربنا يعوض عليك يا رب العالمين هاخد الرجالة ونروح ندفن الولد وهرجع ليك أنا وأم حسان.
أومأ بايجاب دون أن يرد عليه وظل جالسًا على المقعد مستندًا برأسه على عكازه بانكسار.
٭٭٭٭٭
على الطرف الآخر وصلت سامية مبكرًا واستلمت النبطشية الصباحية، وفور وصولها علمت أن أهل الصغير قد وصلوا إلى المستشفى وأخذوا الطفل، ولكن والده لا يزال بالمستشفى، قررت أن تذهب إليه وتتحدث معه وتخبره بأمر الطفل.
٭٭٭٭٭
تململت حنين من غفوتها على صوت بكاء الصغير، اعتدلت بضعف، وقامت بحمله بحنان:
-بس يا حبيبي بس اهدى يا قلبي تعالى يلا يا جميل هقوم أغيرلك وأرضعك عشان تنام نضيف ورايق يا حبيبي.
نهضت بتثاقل وهي تحمله بين يديها، وأبدلت له ملابسه بأخرى نظيفة، وجلست حنين على طرف السرير، وأسندت الصغير إلى صدرها برفق، يده الصغيرة تمسك بطرف ثوبها وكأنها تستنجد بالأمان في حضنها. ابتسمت رغم الإرهاق الذي يغزو ملامحها، وبدأت تهدهده بنغمة خافتة:
-شاطر يا حبيبي ، خلاص يا روحي، نام وارتاح… مفيش حاجة تستاهل دموعك يا ملاكي الصغير.
ساد الغرفة سكون إلا من صوت تنفسه المتقطع، يتباطأ شيئًا فشيئًا حتى استسلم للنوم. مرّت يدها على شعره الناعم، وعيناها تلمعان بمزيج من حب ووجع. همست لنفسها:
– يا رب احفظه… هو كل ما ليا في الدنيا.
أعادت الغطاء فوق جسده الصغير، ثم جلست للحظة تحدّق في وجهه وكأنها تتأمل قطعة من قلبها نائمة أمامها. زفرت تنهيدة طويلة، ثم نهضت ببطء متجهة نحو النافذة، تزيح الستارة قليلًا، تتأمل ضوء الشمس وتتمتم بصوت خافت: