نوفيلا أقدار شيدت بالماضي
الكاتبة زينب سعيد القاضي
-إنتِ بتعمل إيه؟
قطب جبينه بحيرة وتسأل:
-هكون بعمل إيه؟ يكلمهم في البلد عشان يذبحوا العجول لله.
حركت رأسها نافية وصرحت قائلة:
-لأ .
رفع حاجبه باستنكار وقال:
-هو إيه اللي لأ مش فاهم؟ مش عايزة نخرج حاجة فداء ابنك؟
استرسلت بإيضاح:
-عايزة طبعًا بس بلاش دلوقتي أنا خايفة على ابني لما نطمئن عليه ويقف على رجله نعرفهم ونعمل كل حاجة غير إن أنا خايفة من عائلة البنهاوي لو عرفوا إنه لسه عايش مش ضامنين هيعملوا إيه المهم بس حسان يخرج بالسلامة من هنا.
طالعها باهتمام، وردد بتفكير:
-والله عندك حق يبقى كده مقولش لأخويا إن حسان فاق من الأساس صح؟
أومأت بايجاب:
-أيوه صح ممكن يقع بلسانه والكلام يوصل.
تنهد بقلة حيلة وقال:
-لله الأمر من قبل ومن بعد حاضر نطمئن عليه بس ويخرج بالسلامة على رجليه والباقي أمره سهل بإذن الله…
٭٭٭٭٭
مساءً كانت تجلس برفقة سامية تستمع إليها وهي لا تصدق ما تستمع، عقلها لا يستوعب ما تقوله حتى الآن هل فاق والد الطفل بالفعل؟ هل ستخبره الحقيقة ؟ سيأخذ طفلها منها؟ تعلم إنه ليس طفلها لكن هي اعتبرته طفلها أرضعته من حليبها، أحبته كقطعة من فلذة كبدها هل ستفقده الآن بعد كل هذا؟
تسارعت أنفاسها، وارتجفت يداها وهي تحاول أن تبدو متماسكة أمام سامية. نظراتها شاردة، تتشبث بخيوط الأمل الأخيرة التي توشك أن تنقطع.
قالت بصوت خافت، كمن يخشى أن يسمع نفسه:
ـسامية، أنا مش هاقدر أتصور حياتي من غيره خالص ، هو ابني، وحتة مني حتى لو مش من لحمي ودمي.
نظرت إليها سامية بعينين تملؤهما الشفقة والحيرة، ثم همست:
ـ مع الأسف مش هينفع نخفي الحقيقة للأبد، الراجل فاق خلاص لازم يعرف أن ابنه لسه عايش كفاية مراته ماتت.
أطرقت برأسها، ودمعة ساخنة انحدرت على وجنتها، كأنها تعترف بالعجز أمام قدرٍ قاسٍ لا يرحم.
تذكّرت تلك الليلة الأولى حين احتضنته، كان صغيرًا ضعيفًا، يبحث عن دفءٍ وحنان، ومنذ تلك اللحظة لم تعد تفرّق بين حبّ الأم وحبّ الحارسة التي تخاف على سرّها أكثر من خوفها على نفسها.
رفعت عينيها نحو سامية وقالت بارتجاف:
-لو والده عرف الحقيقة هياخده مني صح؟
ساد الصمت لحظة، فقط صوت أنفاسهما المتقطعة يملأ المكان، ثم أجابت سامية بهدوءٍ حزين: