نوفيلا أقدار شيدت بالماضي
الكاتبة زينب سعيد القاضي
الفصل التاسع والأخير
«عهد جديد»
كان يجلس جوار النافذة وداخله قلق شديد، وهو يشاهد الطرق من حوله، التفت إلى والده الذي يجلس جوار والدته بالخلف وتسأل باهتمام:
-بابا حضرتك متأكد من العنوان ده؟
أومأ والده بإيجاب:
-أيوه يا ابني العنوان ده اللي أديته الممرضة ليا هو في حاجة يا ابني ولا إيه؟
تنهد بقلة حيلة وقال:
-لأ مفيش هات الورقة معلش يا بابا.
مد والده يده إليه بالورقة أخذها منه، ونظر أمامه مرة أخرى، نظر أمامه مرة أخرى، وعاد إلى شروده من جديد، قلبه يخفق بشدّة وكأنه يحاول أن يذكّره بشيءٍ نسيه أو تجاهله عمدًا. راح يقرأ العنوان مرارًا، حرفًا حرفًا، وكأنه لا يصدق عينيه، نفس الشارع، نفس رقم العمارة، نفس الدور… كأن القدر يسخر منه. همس لنفسه:
– مستحيل… يمكن تشابه عناوين بس، أكيد في حاجة غلط، ويمكن حنين عزلت، وبعدين الممرضة قالت الست دي كانت بتولد، وحنين أكيد ملحقتش تتجوز وتخلف، بس بس هي قالت مطلقة يعني ممكن إنها كانت حامل في ابني وأنا معرفش؟! أكيد في حاجة غلط هو كده هي عزلت بإذن الله والعنوان صدفة مش أكتر.
أغمض عينيه محاولًا طرد الأفكار من رأسه، لكنه لم يستطع ذاكرته لم ترحمه، إذ عادت إليه صورٌ كثيرة: ضحكتها في شرفة الشقة نفسها، رائحة القهوة التي كانت تصنعها كل صباح، والستارة البيضاء التي كانت ترفرف خلفها حين كانت تودّعه بابتسامةٍ خجولة، كل شيء مروا به سويًا لياليهم السعيدة وذكرياتهم سويًا، حتى النهاية المأساوية ولحظة طلاقهم لاحت على خاطره من جديد، جعلته يشعر بأن روحه تنسحب منه.
تنهد بعمق، وهو يشعر بأن الدنيا تضيق من حوله، وأن كل ما حاول الهرب منه يعود ليمسك به من جديد، همس لنفسه في صراعٍ مرير:
-إن شاء الله خير يمكن ربنا بيبعتلي فرصة جديدة معاها، أكيد اللي بيحصل ده مش صدفة لو كانت هي .
توقفت السيارة أخيرًا وجاءت اللحظة الحاسمة، ما أن هم أن يفتح باب السيارة كي يهبط تفاجئ بوالديه يغادرون السيارة هما أيضًا، فسارع بالقول:
-لأ لأ خليكم إنتوا هنا.
تطلع والديه إلى بعضهما، وتسأل والده باهتمام:
-ليه يا ابني؟
أجاب بارتباك:
-يعني مش عايزين نعمل للناس إزعاج أو قلق لو دخلنا إحنا التلاتة خلوني أنا بس اللي أطلع.